عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

73

معارج التفكر ودقائق التدبر

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ( 41 ) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا . ( 42 ) البكرة : أوّل النهار إلى طلوع الشمس . الأصيل : الوقت الذي يكون من حين اصفرار الشمس إلى غروبها . والكثرة والقلّة في الذّكر تكون من وجهين : الوجه الأول : وجه تلاحظ فيه قلّة الذّكر وكثرته في اللّحظة الواحدة ، فأكثره ما يملأ ساحة التذكّر كلّها في هذه اللّحظة ، فيستبدّ الشيء المذكور فيها بجوانب النفس كلّها . ويتنازل المقدار حتى يكون الشيء المذكور في ساحة التذكّر بمثابة فرد من أفراد كثيرة مرّت كلّها في وقت واحد ، وامتدّ إليها الشهود في رؤية واحدة بالتّساوي ، كمن يرى شخصا واحدا بعينه ضمن جمهور غفير من الناس بإثارة مشتركة . الوجه الثاني : وجه تلاحظ فيه قلّة التذكر وكثرته للشيء الواحد في تتابع اللّحظات ، فأقلّه ما يمرّ في الذاكرة لحظة واحدة وينصرف ، وأكثره أدومه وأبقاه مستمرّا مع الزمن . وينتج عن هذين الوجهين حالات لا حصر لها ، ناتجة عن نسبة شغل الشيء المذكور لساحة التذكّر في اللّحظة الواحدة ، وفي مقدار دوام هذا التذكّر واستمراره مع توالي الزمن . ولو استعرضنا أحوال الناس وأمكننا أن نشهد واقع أحوال ذاكراتهم للأشياء لوجدنا أمرا عجبا عجابا . فمن الناس من لا يوجد في ساحة تذكّره إلّا المال وجمعه ، فلا تتجه عواطفه وإرادته وسلوكه إلّا لجمع المال بأيّة وسيلة متاحة له . ومن الناس من لا يوجد في ساحة تذكّره إلّا عشيقته ، وهذا يكون مشغول العواطف والإرادة والسّلوك بها ، بغية الوصول إليها .